ابن عجيبة
307
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فخرج أبو جهل بجموع أهل مكة ، ومضى بهم إلى بدر ، وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسوقهم يوما في السنة ، وكان رسول صلّى اللّه عليه وسلّم بوادي ذفران ، فنزل عليه جبريل بالوعد بإحدى الطائفتين : إما العير وإما قريش ، فاستشار فيه أصحابه ، فقال بعضهم : ما خرجنا لقتال ولا تهيأنا له ، وردد عليهم وقال : إن العير قد مضت على ساحل البحر ، وهذا أبو جهل قد أقبل ، فقالوا : يا رسول اللّه ، عليك بالعير ودع العدو ، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقام أبو بكر وعمر فأحسنا ، ثم قام سعد بن عبادة فقال : انظر في أمرك ، وامض ، فو اللّه لو سرت إلى عدن ما تخلّف رجل من الأنصار ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : امض يا رسول اللّه لما أمرك ربك ، فإنا معك حيثما أحببت ، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ « 1 » ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : أشيروا على أيها الناس ، يريد الأنصار ؛ لأنهم كانوا عددهم ، وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم برءاء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم ، فتخوف ألّا يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة ، فقام سعد بن معاذ وقال : لكأنّك تريدنا يا رسول اللّه ؟ فقال : أجل ، فقال : قد آمنّا بك وصدّقناك ، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ ، فأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السّمع والطّاعة ، فامض يا رسول اللّه لما أردت ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلّف منّا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا ، وإنا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللّقاء ، ولعلّ اللّه يريك منا ما تقرّ به عينك ، فسر بنا على بركة اللّه ، فنشّطه قوله ، ثم قال : « سيروا على بركة اللّه ، وأبشروا ؛ فإنّ اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين ، واللّه لكأنّى أنظر إلى مصارع القوم » . ثم مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى نزل بأصحابه آخر مياه من مياه بدر ، فبنى له هناك عريش ، فجلس فيه هو وأبو بكر ، فلما انتشب القتال أخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه القوم ، وقال : شاهت الوجوه ، فلم تبق عين من الكفار إلا وقع فيها شئ منها ، ونزلت الملائكة في العنان ، أي : السماء ، فقتل منهم سبعون ، وأسر سبعون ، وقيل : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما فرغ من غزوة بدر ، قيل له : عليك بالعير ، فقال العباس - وهو في وثاقه : لا يصلح ، فقيل له : لم ؟ فقال له : لأن اللّه وعدك إحدى الطائفتين ، وقد أعطاك ما وعدك ، فكره بعضهم قوله ، ثم رجع صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة منصورا فرحا مسرورا ، وقد أنجزه اللّه ما وعده . الإشارة : من حكمته تعالى الجارية في عباده أن كل ما يثقل على النفوس ويشق عليها في بدايته تكون عاقبته الفتح والنصر ، والهناء والسرور ، فكل ما تكرهه النفوس فغايته حضرة القدوس ، وما تحقق سير السائرين إلا
--> ( 1 ) الآية 24 من سورة المائدة .